مراجعة رواية المسخ للكاتب التشيكي فرانز كافكا
يقول الطبّ النّفسي أن ثمّة داءٌ عضالٌ يصيبُ بعض البشر يُدعى “اضطراب بوانتروبي” حيث يظنُّ المُصابُ نفسَه بقرةً فيخور خواراً عظيماً فلا يشكّ السامع أنّها بقرةٌ حلوبٌ فقدت عجلها. ثم إنه يرعى مثلها ولو أراد أن يجترّ لفعل. وربما بلغ به الداء أن يدع من يعتصر له ثديه ظنّاً منه أنّ له ضرعٌ مدرار. ولايشفى من وهمه هذا إلا علاجٌ نفسيٌ وسلوكيٌّ طويل البال. وتحكي كتب التراث أنّ ابن سينا جاءته مثل هذه الحالة وأفلح في علاجها.
بطل رواية المسخ لكافكا لم يعانِ مثل هذا الاضطراب بل تحوّل بالفعل إلى صرصورٍ كبيرٍ مثل الذي ندعسه بأسفل أحذيتنا إذا صادفناه ونحن نمشي. أو رأيناه يتطاير على سقف الغرفة فنهرع (لبخّه) بأعتى المبيدات قاتلة الحشرات ونحن نتحايل بألا يسقط على رؤوسنا.
والواقع أنّي قرأتُ هذه الرواية قبل عشر سنواتٍ ونسيتُ شيئاً من تفاصيل أحداثها، فبحثت عنها في مكتبتي لأعيد قراءتها فلم أجدها، ربّما أعرتها أحد أصدقائي الذين يرونَ في الكتب المُعارة غنيمة، فاشتريتُ نسخةً أخرى وقرأتها وسجّلتُ حولها النقاط الآتية:
الرواية عبثيّة جدّاً وكافكا رائد هذا المنهج وأكثر الكتّاب سوداويةً ولامنطقيّةً و أجرأهم نزعةً إلى التغريب واللامعقولية، وهذا شيءٌ على القارئ أن يتوقّعه في كلّ مؤلفات هذا الكاتب.
في الرّواية بُعدٌ نفسّيٌ يثير حبر المفكّرين والفلاسفة دوماً، حيث يسلّط الكاتب تركيزه على لاإنسانيّة البشر، فالرجل الذي استحال حشرةً لازالت تتملكه صفاتٌ رحيمةٌ كلها تعاطفٌ مستمرٌ مع أسرته وحزنٌ لعدم قدرته على مواصلة دعمهم المادي ومساعدتهم في شؤون البيت، بل إنّه يتوارى عن عيونهم كيلا يخيفهم منظره الشّنيع، في حين أنّ أفراد أسرته والذين بقوا على بشريتهم هجرتهم إنسانيتهم وانصبّ تفكيرهم على التخلص منه ولو كلفهم ذلك مقتله، بما في ذلك أخته وأمّه اللتان تعاطفتا معه مؤقتاً !! وهنا يبرز السؤال الكبير: في هذه الأسرة من هو الإنسان ومن هو الحشرة ؟؟!! تجدر الإشارة أن للكاتب ممدوح عدوان كتباً تتناول قضية (أنسنة الحيوان وحيونة الإنسان) فليعد إليها من أراد التوسّع في هذه النزعة الفلسفية.
أنصح المهتمين بهذا النّوع من الأدب أن يشتروا نُسخاً فيها دراساتٌ وأبحاثٌ مُلحقةٌ بالكتاب للاستفادة من الشّروح والنقاشات التي تثيرها هذه الرواية القصيرة.
صدرت الرواية عن عشرات دور النّشر، أمّا نسختي الجديدة فقد صدرت عن دار التنوّع الثقافي/ دمشق في 93 صفحة من القطع المتوسط، وأهيب بكل من استعار كتاباً أن يعيده إلى صاحبه في الحال.
فيما يتعلق بإصدارات دار التنوع الثقافي، رأيي الشخصي بأنها لاتستحق أن يدفع القارئ لأجلها قرشاً واحداً، ولو لم يبقَ في المكتبات سوى إصداراتهم فأنا على استعداد أن أعتزل الكتب ولا أقرأ شيئاً من اصداراتهم. كوّنت هذا الرأي بعد الاطلاع على عشرات الكتب التي صدرت عنهم وكلها تعتمد على ترجمة جوجل الركيكة!!. على هذه الدار أن تحترم نفسها وقرّاءها أو أن ينظر اتحاد الناشرين في أمرها.
- المسخ
- فرانز كافكا
- دار التنوع الثقافي