الفيل يا ملك الزمان

مراجعة مسرحية الفيل يا ملك الزمان للكاتب المسرحي سعد الله ونّوس

لا أبالغ، ولا أنحاز لسوريّتي إذا قلت أن “سعد الله ونّوس” هو واحدٌ من أعظم كتّاب المسرح الذين مرّوا في تاريخ هذا الفن، ولمزيدٍ من الإنصاف دعوني أقول أنّه واحدٌ من أهمّ عشرة كتّابٍ مسرحيين في البشرية جمعاء وذلك بحسب ما سمعته من أساتذة الأدب في الجامعات وفطاحل اللغة والفكر في الأماسي الفكرية والنّدوات الأدبية، سعد الله ونّوس الذي عاجله سرطان البلعوم بالموت بعد خمس سنواتٍ من الصراع المرير كان حتى عام 1997 أبرز مرشّحٍ لجائزة نوبل، فكانت المسارح وكتّابها والعاملين عليها في كلّ العالم يتهيّؤون كلّ عامٍ لاستقبال هذا الخبر العتيد لكنّ الجائزة وفي كلّ مرة تُعطى لغيره فتتهامس أروقة الأدب وكواليس المسارح عن سبب حجبها عنه وصرفها إلى غيره وما في الأرض أحقُ بها منه (نتحدث هنا عن كتّاب المسرح فقط) ، في هذه المراجعة السريعة أحدّثكم عن خبايا إحدى أشهر مسرحياته- وكلّ مسرحيّاته شهيرة- وهي: الفيل يا ملك الزمان.

تُعدّ هذه المسرحية القصيرة نسبيّاً (33) صفحة من أقصر المسرحيّات العربية وأشدّها اختزالاً وعفوية، تحكي قصّة فيلٍ أهوج تعود ملكيّته لملكٍ مغفّلٍ هو أهوج منه وأرعن، هذا الفيل الفالت يتعدّى على أملاك النّاس ومحالهم فيخرّ عليها ويخربها، ويُفسد ما فيها من بضائع ويعبث في جدران بيوتهم الفقيرة وينطحها فتسجد سقوفها فوق رؤوسهم الحزينة، ازدادت الأمور احتداماً عندما غار الفيل على أطفالٍ يلعبون في إحدى عرصات المدينة فوطئ بطن أحدهم فقتله من ساعته، وما تركه حتى خرجت أمعاؤه الدامية من فمه الصغير، هنا قرّر أهالي المدينة أن يستجمعوا قوّتهم ويدخلوا على الملك يلتمسون منه رجاءً ملحّاً وهو أن يقيّد فيله أو يعصمهم منه بحبسه في حديقةٍ بعيدة، وبعد حديثٍ وحوارٍ طويل اتفق النّاس على مطلبهم وحفظوا ما سيقولونه أمام الملك وذهبوا إليه.

دخل النّاس بوابة القصر مشفوعين بالحرّاس فأدهشهم البهو والعرش، والطنافس والفرش، والعسس والحاشية، والأقمشة المبرقشة، والأفرشة المزركشة، والحرير والديباج، والزاج في الزجاج، والجواهر والعاج، والصولجان والتاج، فأُسقط في أيديهم وهالهم ما رؤوا، فأُلجمت ألسنتهم عن الحديث ونسوا ما جاؤوا لأجله، ونابهم صيامٌ عن الكلام، فاستنطقهم الملك وهم في ضياعٍ وشرود، حتى تكلّم أجرأهم وقال من هول دهشته عكس ما اتفقوا عليه بعد أن خشي على رقبته أن تطيح أمامه من سطوة الجبروت الذي رآه، فطلب من الملك أن يسعى بتزويج الفيل لأنهم يخشون عليه كآبة الوحدة وكي يستكثروا من نسله الحسن، فضحك الملك وفرح بما سمع فوافق لهم على مطلبهم وعيّن المتكلم سائساً للفيل خادماً له، وخرج النّاس وقد زاد همّهم همّاً وشعروا أنهم ما فعلوا شيئاً غير أنهم صبّوا زيتاً فوق لهيب مصيبتهم.

المسرحيّة رمزيّة جدّاً وأظنّ أنّ ونّوس أراد ايصال رسالةٍ مفادها المثل الشهير (يافرعون مين فرعنك_ مالاقيت من يردّني)، وهذا المثل معروف في الأمصار ويُقال في كلّ بلدٍ بحسب لهجة شعبه، وفيه يردّ الكاتب سبب تسلّط الحكّام لا لجبروتهم بل لضعف شعوبهم واستكانتها، وقد مُثلت المسرحية كثيراً ووجدت في (يوتيوب) فيديوهاتٍ كثيرة لا أنصح بها، كلها مؤداة بطريقةٍ طفولية أشبه بالمسرح المدرسي وتسيء إلى النص الأصلي.

في مراجعةٍ لاحقة بعون الله أتحدّث عن مسرحية (رأس المملوك جابر)، والمسرحيّتان صدرتا في كتابٍ واحد عن دار الآداب في 168 صفحة من القطع المتوسط، وهما تحفتان أدبيّتان أنصح كل من لم يقرأ في هذا الفنّ أن يبدأ بهما.

  • الفيل يا ملك الزمان
  • سعد الله ونوس
  • دار الآداب