الساعة الخامسة والعشرون

مراجعة رواية الساعة الخامسة والعشرون للروائي الروماني قسطنطين جيورجيو

تُصنّف بعض الأعمال الأدبية على أنها ملحميّة، وهو توصيفٌ يضمّ تحت جناحيه معانٍ كثيرة يستوجب حضورها بالقرائن الدالة كي يحصل العمل الأدبي على هذا اللقب. ويعتمد العمل الأدبي الملحمي بالدرجة الأولى على قضية العمل ومحوره العريض لا لغته ولا أسلوبه ولامنهج مؤلفه. وعليه فمن الأعمال الملحمية سنجد الشعر والنثر والمسرح ثم لاحقاً الرواية.

لايمكنني الجزم بالعهد الأول للرواية الملحمية -وليس هدف المراجعة طرح هذه القضية الآن- ولكن يمكن القول أن الملاحم ظهرت قبل الميلاد بأعمالٍ أسطورية خلدها التاريخ. وكي تتسم الرواية بكونها ملحمية يجدر بها أن تتأتّى على مواضيع تاريخية ووطنية تحكي سيرة شعوبٍ ونضالها تجاه مبدأ سامٍ، أو قضايا وطنية وحربية تسعى للحرية والسلام.

رواية الساعة الخامسة والعشرون رواية ملحمية بامتياز، بل يمكن عدّها مثالاً نموذجياً عن الملاحم الأدبية، ولو اكتفى قسطنطين جيورجيو بهذا العمل لكفاه ذلك مجداً عظيماً يورّثه لأجيالٍ له من بعده. وإليكم هذه الفقراتٍ التي دونتها على سبيل المراجعة خلال قراءتي لهذه التحفة الأدبية الخالدة:

تعصف الرياح الهوج بحياة بطل الرواية إيوهان موريتز فيخطّط للسفر إلى أميركا، وفي الليلة التي ذهب ليودّع فيها حبيبته سوزانا عرف أبوها إيورغو إيوردان بعلاقة ابنته بهذا الشاب، فعاقبها شرّ عقوبة فتخلى حبيبها عن فكرة السفر وتوارى عن الأنظار بعيداً وهو يسمع تنهدات حبيبته وزفراتها الكاوية للضلوع. بعد مدّة يهرب إيوهان مع حبيبته سوزانا ويقرران العيش في غرفة منفردة في بيت المطران كوروغا وقد حملت سوزانا من حبيبها وأوشكت على الولادة.

في لحظة انفعالٍ شديد يتخلى إيورغو إيوردان عن بشريته ويقتل زوجته رفساً بالأقدام ويبقى في السجن سنوات قبل أن يخرج ويبيع مزرعته ويغادر القرية، وسننسى الرجل مدةً ليعود إلى الواجهة في ثلث الرواية الأخير.

يُغرم دركيٌّ بسوزانا زوجة إيوهان فيستغل صدور قرارٍ بنفي اليهود عن البلاد، فيأمر بترحيل إيوهان عن البلاد بصفته يهودياً (والواقع أنّه مسيحي) ليخلوَ له الجوّ لمعاشرة سوزانا التي تمنّعت عنه واعتصمت بالعفاف وفاءً وحبّاً بزوجها المسكين الذي لايدري ما يُخطط لزوجته الشريفة المصون.

هنا تبدأ رحلة تنقّل إيوهان بين المعسكرات والمعتقلات، ويُبعَد إلى أقصى المنافي التي يرى فيها تجسيداً حيّاً لمعنى الشقاء والاضطهاد حيث يتحمّص تحت أشعة الشمس تارةً، أو يكابد البرد الزمهرير تاراتٍ أُخر، وهو لايجد في الحديث عن صفات العيش الرحيم إلا نكتةً سمجة. وستذوب نفسه أسفاً وحسراتٍ على ماضيه الجميل مع سوزانا (حبيبة القلب) التي يأتيه خبر طلاقها منه وزواجها من ذاك الدركي الملحاح الخبيث.

يلتقى أيوهان في أحد المعتقلات بالقائد مولر المعتدّ بنفسه والذي يؤلف كتاباً بحثيّاً حول الاختلافات الجسدية التي تميّز الألمان دوناً عن غيرهم من البشر، ويجد في أيوهان الصفات التي تؤكد انتماءه للأصول الجرمانية الصُراح فأمر بوضعه تحت الدراسة والمراقبة للمحافظة على هذه الجينات النقية، وأمر بانتدابه لأعمال الجندية استغلالاً للشجاعة والبسالة النادرة التي تتمتّع بها هذه السلالة، وبسبب داءٍ رئوي حلّ بأيوهان نُقل إلى المستشفى وعُهِدَ به إلى الممرّضة هيلدا التي بقيت تتودّد إليه حتى تزوّج بها وأنجب منها فرانتز، لكنّ هذا الزواج لم يُنسِهِ حبّه الأول بل بقي معكوراً مأزوماً لايرى في هذه الحياة إلا سجناً له.

ولضيعة أيوهان نصيبٌ من ويلات الحرب، ففي قسم الرواية الرابع يحكي لنا الروائي عن استسلام رومانيا ودخول المحتل الروسي إليها؛ ما اضطّر اهالي قرية فانتانا إلى الهرب نحو الغابة بمن فيهم الكاهن كوروغا وأم أيوهان وحبيبته السابقة سوزانا، وهناك يقابلهم رتلٌ عسكريٌ يفتك بالرجال والنسوة على السواء، وسنرى كيف يُقيم شباب القرية تشكيلاتٍ مسلحة لدحر الغاصب المعتدي.

ماسبق هو جزءٌ ضئيلٌ من تفاعلاتٍ شديدة التعقيد والتداخل، وليس أمام القارئ إلا المتابعة لمهارة الكاتب في ضبط إيقاع النص وتحفيز القارئ لمعرفة الأحداث التي تتضافر بها السياسة والتاريخ. والحق أقول أنّ الكاتب لم يكن منصفاً عندما وظّف الحدث التاريخي في حكاية الرواية بل اقتحم الفسحة المحظورة وبدا ميله الواضح لطرفٍ دون آخر وقوميةٍ دون سواها. ولا أحرق لكم شيئاً من الخاتمة إن أخبرتكم أن الخلاص سيكون على يد ضابطٍ أمريكي، وهكذا يقفل الكاتب دائرة الرواية عندما يربط هذه النهاية بهدف البطل الأول وهو الهجرة نحو بلد الأحلام أميركا!!

إذن يعرض لنا الكاتب الكبير قسطنطين جيورجيو حال أوروبا الشرقية قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها، والقبح الشامل الذي كان يكتنف أوروبا من كل جانب والدماء التي لاتكفّ عن الإيراق، ونحن نجد اليوم بالحرب الروسية الأوكرانية مصداق المقولة الحق: التاريخ يعيد نفسه.

صدرت نسختي من الرواية عن دار مسكلياني بترجمة الكبير فائز كم نقش، وتقع في 500 صفحة من القطع المتوسط وهي من أمهات الأدب العالمي التي تبحث في هموم الناس زمن الحروب، تلك الحروب التي تجعل من حياة البسطاء جحيماً لا يُطاق.

  • الساعة الخامسة والعشرون
  • قسطنطين جيورجيو
  • دار مسكلياني