الزنجية الباحثة عن ربها

مراجعة رواية “الزنجية الباحثة عن ربها” للكاتب جورج برناردشو

أرى أنّ معظم القرّاء حتى الضليعين في الأدب يفوتهم أنّ للناقد والمسرحي الايرلندي “جورج برنارد شو” رواية يتيمة في الوصول إلى العربية اسمها “الزنجية الباحثة عن ربّها”، وقد قال مُستهلاً الحديث عنها أنّه استلهم أحداثها خلال زيارةٍ له لأفريقيا، وعندما بدأ يكتبها أراد لها أن تكون مسرحيّةً جديدةً له، لكنّها أخذت تمضي على الورق كأنّها روايةٌ قصيرة فأتمّها على هذا النهج ونشرها عام 1922.

ومنذ ذلك الحين وحتى لحظة كتابة هذا المنشور لم يجرؤ مترجمٌ عربي أو مستشرقٌ غربي أو أيّة دار نشر على نقل الرواية إلى العربية(باستثناء دارٍ واحدة طبعت نُسخاً قليلة جداً)، ربّما لأنّ الرواية تقتحم مسلّماتٍ وخطوطاً حمراء في المعتقدات والأديان أتى عليها الكاتب دون أن يستثنيَ أحداً، وحتى الأديان الوضعيّة لم تسلم من قلمه السليط.

تحكي الرواية قصّة زنجية عارية تعيش في الأدغال تريدُ معرفة الله والتقرّب من الرّبّ، فتجول في أنحاء الغابة باحثةً عنه فتُصادف في طريقها شخصيّاتٍ متعدّدة يمثّلون بيئاتٍ وأزمنةٍ وعقائدَ مختلفة، ومنهم من يدّعي الألوهيّة، ومنهم المشعوذون، ومنهم من يمثّلون فلسفاتٍ وأفكاراً متنوّعة، كلهم يفشلون في إعطاء الزنجيّة إجاباتٍ دقيقةٍ وصادقة عن الله، ومحصّلة ذلك إمّا أن تناقشهم، أو تستفزّها أجوبتهم فتضربهم بهراوتها وترحل عنهم.

ختم “شو” روايته بطريقة ساخرة جداً، فالزنجيّة تزوّجت آخر الأمر من شابٍ أشقر جميل وأنجبت منه خلفةً كثيرة انشغلت بهم عن ربّها ودينها، بل إنّها كلما تذكرت ماضيها في البحث عن الله تضحك وتهزأ بسخافة عقلها.

يُستشفّ من أحداث الرواية وطريقة عرض المعلومات الدينيّة والفلسفيّة أن شو أراد الترويج لسلعته الوجوديّة الإلحاديّة، وللوصول لذلك اضطّر لتزوير الكثير من الحقائق، وجعل الشخصيات التي تمثّل الأديان مفرطةً في السذاجة والغباء.

النسخة العربية الوحيدة من الرواية لم تكن توجد إلا في حلب بعد أن غامرت وطبعتها دار نشرٍ محليّة بأعدادٍ محدودةٍ جدّاً، هذا ما كنتُ أعتقده وهذا ما تأكدتُ منه بعد بحثٍ مستعجلٍ على Google، ومن الطبيعي بعد هذا أنّه لايوجد لها نسخةً إلكترونيّة، وللصراحة أستغرب كل هذا الإحجام عن طبعها والمكتبة العربية تطفح بكتب السحر والكفر والإلحاد.

قد يقول أحد الأصدقاء: ما الفائدة أنك تحدّثنا عن كتابٍ لا يمكننا الحصول عليه وقراءته !!، أجيب: هذا المنشور هو محاولة بسيطة لإلقاء الضوء على عملٍ مبهمٍ من أعمال كاتبٍ شهير لا يعرف معظم القرّاء العرب عنه شيئاً إلا بعض الاقتباسات المضحكة التي تنشرها صفحات (الفايسبوك)، مرجع ذلك أنّه كاتبٌ مسرحي وجمهور هذا اللون الأدبي في بلادنا قلةٌ نادرة، وبالنسبة لهذه الرواية فبالطبع أنّ الكثيرين يقدرون الحصول على نسخة انجليزية منها وقراءتها.

_ صدرت الرواية عن دار البيروني عام 2010، في 96 صفحة من القطع الكبير، وترجمها الدكتور محمد ألتونجي، ولم أفلح في التواصل مع دار النّشر التي يبدو أنّها أغلقت أبوابها خلال الحرب المستعرة، وكنتيجةٍ لكل ما سبق ودفعاً للإحراج أخبرُ أصدقائي أن النسخة التي بين يدي صارت نادرةٌ جدّاً وبالتالي فهي كنزٌ نفيس لن أبدّده بينهم بالإهداء والإعارة، فاقتضى التنويه.

  • الزنجية الباحثة عن ربها
  • جورج برناردشو
  • دار البيروني