مراجعة رواية “الحي الروسي” للروائي السوري “خليل الرز”
بعد فراغي من هذه الرواية كنتُ بحاجة لساعتين رمليتين لأحدّد موقفي منها، الرواية رمزيّة جدّاً وغرائبيّة من حيث البيئة والشخصيات والمواقف والأحداث، يقدّم الكاتب في عمله هذا نصّاً عميقاً لا أعتبره موجّهاً لعموم القرّاء العاديين، بل هو للنخبة المثقفة التي تستطيع البقاء في تواصلٍ مستمرٍ مع نصٍّ باردٍ ومتوجّسٍ لكن لا يخلو من متعةٍ وعمقٍ، وخلال تينيك الساعتين كتبت حول الرواية النقاط التالية:
تتناول الرواية قصة السارد الذي يعيش على سطح حديقة حيوانات في حيٍّ قديمٍ من أحياء دمشق يُدعى (الحي الروسي)، ومن نافذة غرفته تطلّ عليه زرافة مُبتاعة من سيركٍ منحلّ، تشاطره سمر الليل بالفرجة على التلفزيون والمباريات القديمة.
يتوافد إلى هذه العليّة الكائنة وسط (الحي الروسي) المبتكر في أطراف العاصمة السورية دمشق معظم شخصيات الرواية، ويتفاعلون فيما بينهم بسردٍ طويلٍ يلقيه علينا السارد -الذي بقي دون اسمٍ واضح- بالإضافة إلى حوارٍ عزيزٍ بين الشخصيات الغريبة الأطوار وهم:
(نونّا) الروسية صديقة بطل العمل والتي تقيم معه في العليّة ذاتها، وأبوها (دينيس بتروفيتش) مدير المركز الثقافي الروسي.
الكلبة الأفغانية (رئيسة بتروفنا) وصاحبها (فيكتور ايفانيتش) المدير الحالي لحديقة الحيوانات.
(بوريا) أقوى زعران الحي الروسي.
(عصام) بطل الجمهورية، والذي سيقلص بسطوته نفوذ (بوريا) ولديه قطة اسمها (غزال).
(أبو علي سليمان) وهو صاحب محل ألبسة رجالية في الحي الروسي ويدرّس اللغة الفرنسية في المدرسة الإعدادية، ولديه كلب اسمه (موستاش).
(عبد الجليل حجازي) ساعاتي وممثل مسرحي معروف.
(أركادي كوزميتش)، كاتب مغمور ويدرّس اللغة الروسية في المركز الثقافي.
(الحاجة سعاد) التي فقدت ابنها في الحرب وعندما وجدت جثته في التلفزيون قررت تزويجه. وغيرهم.
بمجرد نشر الرواية – أو أي عمل أدبيّ آخر- يصير هذا العمل مُلكاً للقارئ ويحق له أن يفكّ رموزه بالطريقة التي يجدها أقرب لوعيه وفهمه، وعليه فإنّي أفك رموز الرواية بالإشارات التالية دون أن أحمّل الكاتب تبعات هذه المُكاشفة والتحليل :
المدافع المنصوبة في (الحي الروسي) تقصف غوطة دمشق وتدكها دكّاً، هل وصلت الفكرة؟ نعم.
الزرافة حيوانٌ عطوف، هي صامتة رغم لسانها الطويل، تقف متفرّجةً على الحرب الدائرة في التلفزيون وتسمع أصوات المدافع من حولها؛ لكنها لاتجد إلا أن تداري انفعالها بصوتٍ كتيم، هل تشبه الزرافة أحداً (أو شعباً) تعرفونه؟ أنا أعرف.
نفسها هذه الزرافة الجميلة لم تعش في الغابة أصلاً، يحرص الراوي مع صديقته الروسيّة (نونّا) أن يعرضا لها على التلفزيون مشاهد اصطياد الأسد لفرائسه، كانت هذه طريقتهم الوحيدة ليشرحا للزرافة أنّ الأمان الذي تعيشه في حديقة الحيوان هذه هو أمانٌ مؤقت، وأن قانون الغاب وسيطرة (الأسد) على كل البهائم (بما في ذلك الزرافة) هو القانون الساري، هل وصلتك الفكرة؟ بالنسبة لي ..نعم وصلت.
هل تتثائب الزرافة قبل أن تنام؟ – لنراقبها، لندرس ساعات نومها ووسنها ونعاسها، نحن يسعدنا أن نراها تتثاءب وأن تبقى نائمة، يسعدنا كثيراً..
مجلة الحائط في حديقة الحيونات يرأس تحريرها الروسي (فيكتور ايفانتيش) ويضمن الراوي نقلها إلى العربية وكذا إلى سائر روّاد الحديقة العرب، هل يلمّح الكاتب إلى الغزو الثقافي؟؟ قد لا تظنّون ذلك، أنا أظن.
فهمتُ من (عبد الجليل حجازي) عندما كان يوجّه مكبّر الصوت باتجاه الطائرات حاملات البراميل المتفجرة أننا لانتقن سوى الصراخ والتشكّي وكأنّه يرجّح كفة مقولة (عبد الله القصيمي) بأنّ العرب (ظاهرة صوتية).
ولكن دعونا من كل هذا، أجمل إشارة وجدتها من ضمن كل هذه الإشارات الملغوزة هو قتل الزرافة على أيدي رجال الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، إشارة رائعة إلى دور الإعلام العربي في زرع الفتن وقتل الحقيقة، قد يسأل سائلٌ: كيف يمكن للإعلام أن يقتل الحقيقة ؟ أقول إنّ تزوير الحقائق قتلٌ لها، والسكوت عنها قتلٌ لها، وكم مرّةً قتل (إعلامنا العربي) الحقائق وزوّرها، وكمّ مرةً ظلم إعلامنا العربي الشعوب بنشر الأكاذيب وزرع الفتن الحاصدة للنفوس.
في الرواية فصول مُضجرة لم أستطع توظيفها في العمل ولم أفهم داعي هذا الإقحام مثل: الحديث عن نابليون ومعركة (واترلو) ونفيه إلى جزيرة (ألبا) وعلاقة كل ذلك بالكلبة (رئيسة بتروفنا)، والرضيع الذي لم يكفّ عن البكاء وقد وصف الكاتب أمّ الرضيع بالبقرة لأنها لم تسمع نشيجه المحموم!!، يمكن المجازفة بالقول أن الكاتب يُجري هنا بعض المقاربات كاعتبار الممثل المسرحي البارع (عبد الجليل حجازي) يمثّل (نابليون) المهزوم، واللاجئين النيام ذوي الشخير الجماعي يمثلون القتلى في معارك (نابليون) العبثيّة الطويلة.
في فصل (حكاية عصام)، يحكي لنا عن (بوريا) ذلك (الأزعر) الذي يفرض الأتاوات على أصحاب المحال في الحي الروسي، وكيف جاءه بطل الجمهورية (عصام) يجابهه وينازعه سطوته ليخلص أبناء الحي الروسي من شروره. في هذا الفصل يُسرف الكاتب في الحديث عن الزمن، عن الخير والشر، عن نشوء الأقاصيص والرقصات والحكايا الشعبيّة، أرى أنّ هذا الفصل بالذات رفع كعب الرواية عالياً ومنحها قيمةً مُضافةً من الفكر والفلسفة..
في الرواية مشاهد كثيرة تلامس القلوب، لكنّ أبرعها على الإطلاق هو مزاج الرواية الجنائزي الأخير خلال تشييع (عصام) إلى قبره، وكيف جمع الكاتب الملائكة والخنانيص في مشهدٍ واحدٍ مع أطيافٍ متفرقة من أبناء (الحي الروسي)، المضحك المبكي أنّ موت عصام هذا حزّ في قلوب النّاس رغم أنّه -عملياً- ليس إلا بطلاً من ورق.
أخيراً يمكن القول أنّ هذه الرواية تحفة أدبية، لكنها في الوقت نفسه رواية صعبة وغامضة، تفتقر إلى عنصر التشويق والحبكة المتصاعدة التي تشدّ القرّاء غالباً، ولا ألوم أن الكثير من أصدقائي القرّاء تركوها منذ الصفحات الأولى للأسباب التي ذكرتها آنفاً.
تقع الرواية في 289 صفحة من القطع المتوسط، وقد صدرت عن منشورات الاختلاف / الجزائر بالتعاون من منشورات ضفاف، ولن أتفاجأ إن نالت الرواية جائزة البوكر لهذا العام.
- الحي الروسي
- خليل الرز
- منشورات الاختلاف ومنشورات ضفاف