مراجعة رواية الاحتضار للروائي الروسي الكبير فالنتين راسبوتين.
“آنّا” سيدة ثمانينية، أمٌّ لخمسة أبناء عققة هم (الشّابّان: ميخائيل وإيليا، وثلاث فتيات هنّ: فارفارا ولوسيا وتاتيانا)، عندما أشاع ميخائيل الذي يعيش في القرية ذاتها التي تعيش فيها أمّه نبأ احتضارها ودنوّها من الموت؛ هرع الأبناء (باستثناء تاتيانا) من المدن والقرى البعيدة لزيارتها بعد أن كانت إحدى معاصيهم أنّهم لم يزوروا أمّهم ولم يُقرؤوها سلاماً أو يُتحفوها بزيارةٍ يلتمسون بها البرّ والرضا.
مع وجود الأبناء حولها وثقتها المطلقة بعودة ابنتها تاتيانا أيضاً؛ تلقّت صحّة الأمّ دعماً غير متوقع، فقد إلتأمت روحها من أمراض الوحدة والاشتياق، وتعزّزت صحتها الجسدية وصارت تأبى البقاء في الفراش بل تقوم نشيطةً تشاركهم الطهي والأكل والحديث وتتذكّر معهم شبابها اليافع وطفولتهم الطافحة بالضحك والسعادة.
لقد اكتشفت الأمّ أنّ حبّها العطوف والعميق لأبنائها والذي تجلّى دائماً بالحماية والرعاية كان بالنسبة إليهم حبّاً مجّانياً غير مشكور، كان عقوقهم مُحبطاً لها، لقد ظنّت أنّ عصيانهم لها لا يمكن أن يتنافى وتربيتها الحسنة لهم بل هو جزءٌ من مرحلة نموّهم وسيتبدّد مع الأيام، لكنها اكتشفت الآن أنّهم هدموا جسور التواصل معها وفيما بينهم مبرّرين ذلك بصعوبة الحياة والانشغال الدائم وضرورة العمل التي لاترحم!
نلاحظ هنا براعة الكاتب فالنتين راسبوتين في قلب الموقف رأساً على عقب، فبعد أن أوهم قرّاءه بأنّ السعادة عادت لتغمر البيت من جديد بعودة الأبناء الضّالين، اكتشفنا أنّ عودتهم بلغت شأواً كارثيّاً؛ لقد أزعجهم أنّ ما جاؤوا لأجله لم يتحقق، وأنّ جنازة امّهم التي حضروا لأجلها وحضّروا لها تفاصيل التشييع والجنازة لم تعد ذات بال، وأنّهم تركوا أشغالهم لأجل مِيْتَةٍ لم تتم!! إنّهم وبكلّ لؤمٍ وجدوا أنّ أمّهم خذلتهم بعدم موتها!!.
لقد قرأت الأمّ في عيون أبنائها مافحواه: (موتي ودعينا ننهي هذا الأمر)، وكانت هذه النظرات العاصية أشدّ عليها من أمراض الموت وشدّة النزع والاحتضار. ولو بقيت الأم وحدها لماتت مرةً واحدة؛ لكنّها اليوم وبعودة أبنائها إليها صارت تموت كلّ يومٍ عشرات المرات!!. وأخيَس ما في الأمر أنّ الأبناء راسلوا أختهم الخامسة “تاتيانا” بأنّه لم يعد ثمّة داعٍ لمجيئها لأنّ أمهم لاتزال على قيد الحياة وبصحتها الطيّبة، وربّما تطول بها المدّة لتعدم حياتها في وقتٍ آخر!!
** على مدار الرواية نجد بعض النقاط التي تستحق الإشارة والاهتمام:
- يعدّ راسبوتين أستاذ الأدب السيبيري والمنافح الأول عنه(كل رواياته تدور في الريف السيبيري وأبطاله من القرويين)، لذلك نجده يذكر لوسيا بكثيرٍ من التقزّز لأنّها تنكرت لأصولها القروية وتهكّمت غير مرّة على لهجة أخيها القروية الفجّة.
يمرّر الكاتب أحداثاً من تاريخ روسيا القريب، كالحرب والثورة والمجاعة وذلك من خلال استرجاع الأم لذكرياتها، ولم أجد حاجةً لذلك إلا للتذكير بالمآسي التي مرّت على أهالي القرى وتخليداً لصبرهم المضني دون أن تتحمّل الحكومات التي أعقبت الثورة مسؤولية التنمية وإصلاح الحال.
لاتستحق الرواية -رغم أهمية موضوعها وجميل طرحه- كل هذا الحجم، لابدّ للقارئ من الملل خلال بعض الفصول التي أسهب الراوي في ذكر دقائق تفاصيلها التي لم تنفع المتن في شيء.
صدرت الرواية عن دار رادوغا /موسكو، وتقع في 367 صفحة من القطع الصغير بترجمة حاذقة من الدكتور عبد الكريم عبد الصمد، وأشير إلى أنّني وجدت طبعةً أخرى بعنوان (الموعد الأخير) ترجمها عن الروسية الدكتور أشرف الصبّاغ ولم يسعني الاطلاع عليها، وطبعةً أخرى صدرت عن دار الحصاد بترجمة ممتازة من الدكتور هاشم حمّادي. وبالمجمل فإنّ هذه الرواية لاتعدّ لمحةً تقديرية للأم؛ بل هي، وبدرجةٍ أكثر، رواية عن نكران الجميل، عن الجحود الذي يواجه به بعض الأبناء (المتبرّئين من إنسانيّتهم) تفاني الأبوين وتضحياتهم..
** لا تقرأ السطر الآتي إن لم ترغب بحرق الرواية:
في قفلة الرواية يتبدّد جمع الأبناء عن أمّهم ويتنحّون عنها راحلين كلٌّ إلى حيث يقيم، فتلتاع الأم من سوء ما وجدت من مخاصمة الأبناء وعقوقهم، وتموت لا من مرضٍ عضويٍّ وعلّة؛ بل كمداً وحزناً وحسرة..
- الاحتضار
- فالنتين راسبوتين
- دار رادوغا