مراجعة مسرحية “الأيام المخمورة” للكاتب المسرحي “سعد الله ونوس”
لابدّ عند الكتابة عن المسرح أن نستحضر ذكرى الكاتب المسرحي السوري (سعد الله ونوس) الذي لايزال رحيله مُوجعاً، وطالما أنّ غياب أمثال (ونوّس) لا يعوّض فإنّ الأيام لا تخفّف عن محبيه مرارة الفقد.
بعيداً عن الروايات اخترت أن أقدّم لكم هذه المرّة قراءةً في المسرحية الأخيرة لسعد الله ونوس وهي (الأيام المخمورة) التي صرخ فيها في وجه المجتمع بقصد تغييره والارتقاء به، وحثّ المتفرّج على اقتحام الماضي لينزع عنه أقنعة الخوف والزيف والقلق، مقحماً مفهومي التمدّن والشرف، ومستحضراً الماضي ليحاسب الواقع ويقوّمه ويستفزّ الجمهور بعدها للتأمّل وطرح الأسئلة.
“إنّنا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لايمكن أن يكون نهاية التاريخ” بهذه العبارة الشهيرة اختتم الكاتب المسرحي السوري الكبير (سعد الله ونّوس) رسالته ليوم المسرح العالمي، وهي الرسالة التي كلّفه بها المعهد الدولي للمسرح التابع لليونيسكو عام (1996).
لم يأتِ اختيار (ونوس) لكتابة كلمة المسرح العالمي نابعاً من مصادفةٍ أو اختيارٍ عشوائي، بل كانت تعتبره أروقة الأدب العالمي الكاتب المسرحي الأبرز في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو من الكتّاب القلائل الذين كانوا من أبرز المرشّحين لنيل جائزة نوبل للآداب، لكنّ سرطان العنق كان قد استفحل في جسمه فغيّبه الموت قبل أن تصله بشارة الفوز بالجائزة الأرقى عالميّاً.. في مسرحية (الأيام المخمورة)، وضع (ونوس) خبرة سنينه الطويلة في الكتابة المسرحية؛ فجاء هذا العمل الأدبي/الفنّي مختلفاً، وفتحاً أدبياً نوقشت فيه رسائل ماجستير كثيرة في جامعاتٍ عربية (كجامعة حلب، جامعة دمشق، جامعة القاهرة).
تقع المسرحية في ستةٍ وعشرين فصلاً ولكل فصلٍ عنوانٌ يُضمر فيه الكاتبُ سرّاً لا نعرف كُنهه حتى نهاية قراءة الفصل، يحكي لنا الكاتب في هذه الفصول قصصاً ثلاث، الأولى: قصة (سناء وعبد القادر) اللذين يجمعهما حبٌ فاتر، ورغم مرور سنينَ طويلةٍ على زواجهما لاتزال (سناء) متعلقة بحبٍ قديمٍ يجمعها مع (حبيب الشمالي) وهي لا تستطيع الانعتاق من هذا الحب ولاتريد الخلاص منه.
القصة الثانية: قصة الحفيد الذي يرى في بيت عائلة أمّه سفالاتٍ وعيوباً يسميها (الدمّل)، وهو يحاول باستنطاق أمّه وخالته كشف خبايا هذه الدمّل وفضح لُبسها، وقد اعتمد (ونوّس) في حديث الحفيد نمط السرد المباشر والموجّه للجمهور محرّراً نفسه من قيد الحوار الدائم ومنوّعاً في أساليب عرض العمل.
القصة الثالثة: قصة الأخوين (عدنان وسرحان)، وهما متناقضان في الطبع، ومتشاكسان طيلة الوقت، حيث يحاول أحدهما استمالة أخيه لاستغلال عمله في الميناء لتمرير تجارةٍ غير مشروعة.
يربط الكاتب القصص الثلاث بخيطٍ هزيلٍ ينمّ عن أسرةٍ مفككة (فعدنان وسرحان) أبناء (سناء وعبد القادر) والحفيد حفيدهما من ابنتهم (ليلى)، أمّا خالته المتحرّرة (سلمى) فنجدها ركيزةً في سرد الحفيد وتكسر له نمط الخطاب المباشر.
بعد عرضٍ هزلي يقيمه (الأراجوز) مع فرقته أمام منزل (سناء) يتمحور حول فتاةٍ تضحّي لأجل حبّ حياتها، تقرر (سناء) أن تضحّي مثلها وأن تترك زوجها وأولادها لتعيش باقي حياتها مع حبيبها (حبيب الشمالي)، وقريباً جدّاً تحسم المرأة أمرها وتحزم حقيبتها وتنطلق إلى جنّة الدنيا حيث يقيم حبيبها الذي يغريها بمعسول الكلام وهو الشيء الذي لم تسمعه من زوجها السّاديّ طيلة معاشرته لها عبر السنين. هروب الزوجة/الأم من البيت يضع زوجها وأولادها في موقفٍ محرجٍ أمام الأقرباء وتجّار السوق محبي النميمة ما يشعرهم بالخزي والخجل والرغبة بالانتقام، وهنا ينخز بضميرهم نازع (الشرف) فيقرّر زوجها وابنها الأكبر الاستدلال على بيتها وقتلها إطفاءً لنار فضيحةٍ صارت مدوّية.
تكشف فصول المسرحية الأخيرة مصير مخطط الوالد وابنه مع الأم (الهاربة بحبّها) دون أن يقرّر الكاتب صحة فعلها من خطئه، ويترك للقارئ سؤالاً معلقاً: هل يجب أن ينتصر الحبّ في النهاية، حتى لو كلّف ذلك التخلي عن الأهل والأسرة؟؟
يقدّم (سعد الله ونوس) في (الأيام المخمورة) نصّاً مكتملاً من الناحية الفنيّة لكنّه يترك مساحةً للمتفرج ليتبادل معه الحوار، فالقارئ/المتفرج عنده جزءٌ من العرض المسرحي وحركةٌ فاعلةٌ فيه، بل يذهب أبعد من هذا ليعتبر أن في كلّ نصٍ مسرحي حوارٌ ثالثٌ يجري بين المتفرّجين أنفسهم.
أخيراً قد يتساءل البعض: لمَ بقي (سعد الله ونوس) وفيّاً للكتابة المسرحية لا يتعدّاها إلى غيرها من الأجناس الأدبية؟
أجاب (ونوس) بنفسه عن هذا السؤال في كلمته عن المسرح بقوله : ” ذات يوم، سُئلت وبما يشبه اللوم: ولمَ هذا الإصرار على كتابة المسرحيات، في الوقت الذي ينحسر المسرح، ويكاد يختفي من حياتنا! باغتني السؤال، وباغتني أكثر شعوري الحاد بأن السؤال استفزني، بل وأغضبني؛ طبعاً من الصعب أن أشرح للسائل عمق الصداقة المديدة التي تربطني بالمسرح، وأنا أوضح له، أن التخلي عن الكتابة للمسرح، وأنا على تخوم العمر، هو جحودٌ وخيانة لا تحتملها روحي، وقد يعجلان برحيلي. وكان عليّ لو أردت الإجابة أن أضيف: إني مصرٌّ على الكتابة للمسرح، لأني أريد أن أدافع عنه، وأقدّم جهدي كي يستمر هذا الفن الضروري حياً “.
🔘 عن حياة المسرحي الكبير (سعد الله ونوس) بإيجاز:
ولد عام 1941 في قرية حصين البحر التابعة لمحافظة طرطوس/سوريا في أسرة فقيرة، حصل على الثانوية عام 1959 من ثانوية مدينة طرطوس ثمّ حصل على منحة في نفس العام لدراسة الصحافة في كلية الآداب- جامعة القاهرة، ثمّ تخرّج منها عام 1963 وعاد إلى دمشق ليُعيّن مديراً لقسم النقد في مجلة المعرفة الصادرة عن وزارة الثقافة، ثمّ أتيحت له فرصة السّفر إلى باريس في إجازة دراسيّة لدراسة الأدب المسرحي في معهد الدراسات المسرحية التابع لجامعة السوربون، وعاد إلى دمشق إبّان نكسة 5 حزيران/1967، ليتم تعيينه رئيساً لتحرير مجلة أسامة الموجّهة للأطفال بين عامي 1969 – 1975
في عام 1977 أسّس فرقة (المسرح التجريبي)، وفي العام ذاته أصدرت وزارة الثقافة السوريّة مجلة (الحياة المسرحية) المتخصّصة في قضايا المسرح والتي أوكل إلى ونوس رئاسة تحريرها حتى عام 1988.
شهدت أوائل تسعينات القرن الماضي نشاطاً ملحوظاً في الإنتاج الأدبي عند (ونّوس) وذلك من خلال مجموعة من المسرحيات السياسيّة بدءاً بمسرحية “الاغتصاب” 1990 والتي تصوّر الصراع العربي الإسرائيلي، إلى جانب “منمنمات تاريخية”1994 و “طقوس الإشارات والتحولات”1994 و “أحلام شقية”1995، “يوم من زماننا” 1995 ثمّ “ملحمة السراب” 1996، و”بلاد أضيق من الحب” 1996، و”الأيام المخمورة 1997، وهو عام وفاته.
- الأيام المخمورة
- سعد الله ونوس
- دار الأهالي