حول كتاب أوراق المعرفة للكاتبة الباحثة ليلى مقدسي
تقدّم الكاتبة والمفكرة السورية ليلى مقدسي في كتابها هذا اثنين وثلاثين مقالاً في قضايا متفرقة تشمل الفنون والأدب والعلاقات الإنسانية والطفولة والحب والتصوف والأساطير.
تؤكد الكاتبة على حرية الفكر وإصلاح العلاقات المتأزمة بالحُسنى وإحكام العقل، بالإضافة إلى قضايا أخرى إنسانية تشدّ بعضها بعضاً ليكون للكتاب هدفٌ سامٍ هو النصيحة بتغليب العقل وبسط معاني الإيثار بين الناس لتكتمل صنعة الحياة بأبهى صورها.
استخدمت الكاتبة لغة شاعرية في معظم مقالاتها وخاطبت فيها الضمير الإنساني دون أن تتعرّض لقضايا إشكالية في الدين والسياسة.
صدر الكتاب عن دار بعل عام 2008 م، ويقع في 158 صفحة من القطع المتوسط، وقد اخترت لكم منه مقالاً بعنوان “لماذا يكتب المبدع؟”
لماذا يكتب المبدع؟
لا يستطيع المبدع أن يُدهش بفكره دون أصالة ونبوغ لأنّ العادة والتكرار تقلص الشعور وتمحو الدهشة والاستغراب، لأن العادة تحوّل الإنسان إلى آلة أو الى حالة من الجمود، فالأصالة والنبوغ ليس في ما عرفناه في التقليد والتكرار وإنما ابتداع أفكارٍ وفنونٍ تستقي من ينابيع الخير والتجديد. وكل متوارث يجب أن تضفي عليه البهاء والاشراق حتى تستشف الجمال، والمبدع لكافة الفنون يجب أن يرافقه الشعور بأشكال المعرفة فليست اللوحة واللحن ولا القصيدة هي التي نبتدعها، بل الشعور باللوحة واللحن والقصيدة والإحساس بالجمال والمعنى والذي يأثر العاطفة والقلب، هذا الإحساس هو سر الإبداع والإشراق ومدى تاثيره بالمتلقي.
والمبدع يتمنى أن يشاطره الآخرون مشاعره وما عبّر عنه في أثره الفني، ولهذا يشعر أحيانا الفنان بالغربة من عدم اكتراث الآخرين به ولأنّه يجدّد دائماً ويكسر قيماً ويقيم قيماً جديدة لم يالفها البشر فيغدو منفياً بعصره وزمانه.
ومن ينحت أو يرسم أو يألف موسيقا أو يكتب لكسب رزقه فقط كأنه يمارس مهنة شريفة ولكنه ليس بفنان لأنّ الفنان لا يرضى أن يعيش من فنه وتلك هي مغامرته الكبرى، فإنّه لا يرغب أن يعترف الناس بالجمال الذي يختلقه بل يحتاج أن يجعل هذا الجمال حقيقياً، والفنان له فترات انقطاع وجفاف، إذ يقول أحد المبدعين: هنالك أوقاتٌ يغيب فيها الفكر أو تقع الريشة من الأصابع، وعبثاً أحاول جمع أفكاري لأسوّد البياض ولكن يخبو الإلهام أو يموت. والفنان يرضى بممارسة مهنة ليحيا، ولكنه لا يعرف الطمأنينة، ويتمنى أن يتفرغ بكل كيانه الى فنّه، فالفنان والقديس إنسانٌ واحدٌ: التضحية بالذات، الزهد بالحياة، وقبول الأذى والحرمان. والفنان يلقى غايته الخاصة في كمال آثاره لا في كماله الشخصي.
- أوراق المعرفة
- ليلى مقدسي
- دار بعل