أفيون

مراجعة رواية “أفيون” للروائي “ماكزانس فيرمين”

لايغرّكم العنوان، هي رواية تحكي عن الشاي، ذلك النقيع الساخن الذي كان وسيبقى مشروبي الأثير على الإطلاق..
فأنا من النوع الذي إذا رأيتم فنجان الشاي أمامه اعلموا أنّه ليس في عجلةٍ من أمره، جليس الشاي – أصدقائي- إذا ما أرتشف منه حسواتٍ بطيئة يشعر وكأنّه يغوص في بحرٍ بلون العقيق..

مع رشفة الشاي الأولى يُبنى فوق رأسي سقفٌ يمنع سقوط الهموم عليّ، وتحيطني تلك الرشفة بسياجٍ من الدعة وصفاء الذهن، فحبّه الذي نما مع الطفولة ساعدني لأميل ميلاً مبكراً نحو التأمّل..

لنعد الآن إلى الرواية، لأنّني مغرم بالشاي لدرجة أنه يمكنني أن أكتب أطروحةً عن فضائله وهذا سيخرجنا عن موضوعنا وهو رواية (أفيون) للكاتب الفرنسي (ماكزانس فيرمين) والتي قرأتها في ساعةٍ واحدة وفناجين شاي لا أعرف عددها، وكتبت حولها النقاط الآتية:تنتمي هذه الرواية إلى ما يُسمى بأدب (النوفيلا)، بل هي أقصر من أن تكون نوفيلا أصلاً، تصنيفها الأدبي الصحيح قصة لا أكثر، ولكنها حركات دور النشر التي تعلم مسبقاً أن كتابة كلمة رواية على الخلاف الخارجي يجعلها أكثر تداولاً بين جمهرة القرّاء.

تدور أحداث الرواية في الثلث الأول من القرن التاسع عشر إبّان نشوء حرب الأفيون بين الصين وبريطانيا، ولكن ذكر هذه الحرب وإرهاصاتها لا يأتي إلا عَرَضاً، حيث يركّز الكاتب على رحلة مغامر بريطاني يُدعى (شارل ستوو) إلى مزارع الشاي في الصين ليتعلّم أسرار هذه المهنة ولعله يحظى بشراء نبتة الشاي الأبيض المحرّمة على عوام النّاس..

يلتقي (شارل ستوو) خلال رحلته بثري إيرلندي يُدعى (بييرل) الذي يُعجبه إصرار (ستوو) على بلوغ هدفه ولو كلفه ذلك حياته حبّاً ووفاءً لمشروبه المفضّل (الشاي) وشجرته (الكاميليا). هذا الإعجاب يدفعه لتوقيع اتفاقٍ بالدم مع (شارل ستوو) على أن تبقى أسرار الشاي التي سيكشفها له طيّ الكتمان وأن يكونوا شركاء في هذه التجارة المُربحة.

يبدأ (ستوو) بالإلمام بأسرار الشاي الثلاثة، وأولها: الماء البالغ النقاوة والصفاء، فالقاعدة الأولى لإعداد الشاي هي أن يكون الماء فراتاً زُلالاً لاتشوبه شائبة.. وسأترك للقرّاء ولمحبي الشاي منهم خاصةً معرفة باقي هذه الأسرار عند قراءة الرواية.

بعد عقد الإتفاق يتعرّف (ستوو) إلى (وانغ) وهو حارس الوادي المقدّس الذي يملكه (لو شين) امبراطور الشاي الذي يحرّم على النّاس كلهم رؤية وجهه بما في ذلك زوجته وخاصة أهله !! كما يلتقى ببديعة الحسن والجمال (أفيون) زوجة (لو شين) والتي تبادله الحبّ والإعجاب…

تنشر السيدة (أفيون) أحزانها على منشر السيد (شارل ستوو) وتسترسل له بهمومها وأحزانها وحياتها المريرة مع إمبراطور الشاي (لو شين) فيُقسم لها قسماً مغلّظاً أن يُثلج صدرها بقتله، وهدفه بذلك نيل حبّ (أفيون) المطلق له، وحصوله على كاميليا الشاي الأبيض. وخلال رحلته لقتل (لو شين) تُصادفه حقيقةً صادمة تنزل على رأسه كالصخرة الصّمّاء تصدع له كل مخططاته وأهدافه..

إذن ما علاقة (الأفيون) بكل هذه الأحداث!! الواقع أن الاتفاق المبطن في تجارة الشاي لا يكون ببيعه بالمال، وإنما مبادلته بالأفيون الذي تُشرف بريطانيا على زراعته في بنغال الهند وتصديره إلى العالم، والشعب الصيني لحاجته لتدخين الأفيون اشترط على التجار البريطانيين اعطاءهم الشاي مقابل الأفيون؛ الشيء الذي تمنعه الحكومة الصينية وأدّى ذلك لاشتعال الحرب بين البلدين.

الرواية مليئة بالأحداث السريعة والكثير من البطء والتأمل عند الحديث عن الشاي وفنون صناعته، وهذا يثبت حبّ الكاتب للشاي، وأنه كتب عمله هذا مدفوعاً بعشقٍ مولعٍ به، و أثبت الكاتب مهارةً أخرى واضحة في التعريج على قضية حرب الأفيون دون المساس بالحس الأدبي الرهيف للرواية وقلبها إلى تحليلٍ تاريخيٍ وسياسي..

صدرت النسخة العربية من الرواية عن دار دال وتقع في 190 صفحة من القطع المتوسط، ولا أخفي اعجابي الشديد بتصميم الغلاف والترجمة المتمكنة للمترجمة (لينا بدر).
وبالمجمل فإنّه عملٌ أدبيٌّ جميل يدفعني لقراءة المزيد من أعمال الرائع (ماكزانس فيرمين).

  • أفيون
  • ماكزانس فيرمين
  • دار دال